الجواد الكاظمي

200

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

الأوّل مرويّ عن أئمّتنا عليهم السّلام أيضا ولا يبعد الحمل على ما يعمّ الأمرين . « فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ » دفعتم عنها بعد الاجتماع فيها ، من أفاض الماء إذا صبّه بكثرة وأصله أفضتم أنفسكم حذف مفعوله لمعلوميّته كما حذف في قولك دفعت من البصرة ، وعرفات جمع عرفة وبها سمّيت البقعة المعروفة الَّتي يجب فيها الوقوف في الحجّ كما سمّيت بمفردها ، وإنّما نوّنت مع كونها غير منصرفة للعلميّة والتأنيث ، لأنّ التّنوين الممنوع من غير المنصرف هو تنوين التمكَّن ، وهذا تنوين المقابلة ( 1 ) إذ هو بإزاء نون الجمع في مسلمون ، ومن ثمّ لو سمّيت امرأة بمسلمون لم يحذف هذه النون ويجوز حذف التنوين من عرفات تشبيها بالواحد ، إلَّا أنّه لا يكون إلَّا مكسورا ، ( 2 )

--> ( 1 ) وأنكر المحقق الرضى في شرح الكافية كونه تنوين المقابلة وجعل تنوينه تنوين الصرف والمقابلة واستشهد برواية الوجهين الآخرين في أذرعات في بيت امرئ القيس الآتي فتح التاء وكسرها غير منونة فإنه عليهما للصرف بلا خلاف انظر ج 1 ص 14 ط محرم أفندي . ( 2 ) هذا هو تجويز جماعة منهم المبرد والزجاج ومنشأ ذلك عندهم ملاحظة حالتين يقتضي كل منهما الإخلال بالأخرى فأعطوه من كل حالة شبها حتى لا يكونوا قد نظروا إلى ناحية من نواحيه دون الأخرى . وبيان هذا الوجه أنه من جهة كونه جمعا مؤنثا بحسب لفظه يستلزم الكسر والتنوين فلاحظوا لفظه وأعطوه الكسر ولاحظوا معناه فأعطوه حذف التنوين . وهنا وجه ثالث روى به أذرعات في بيت امرئ القيس على ما نقله فطاحل الأدب وهو فتح التاء غير منونة كسائر ما لا ينصرف ولم يذكره المصنف لعدم ارتضائه ومثله في المجمع ج 1 ص 295 قال وأما فتح التاء فخطأ قال ابن عصفور في شرح الجمل على ما نقل عنه : ونازع في ذلك المبرد محتجا بأن التاء للجمع فهي كالواو والياء فلا ينبغي أن يمنع الصرف وانما الوجه أن يعرب بالضمة والكسرة كما كان ويزول عنه التنوين لزوال المقابلة لزوال الجمعية . قلت وعليه فلا وجه حينئذ لنصبه بالكسرة ولا لعدم تنوينه . واختار سيبويه وابن جنى وجماعة جواز هذا الوجه قال ابن جنى في سر الصناعة على ما حكى عنه البغدادي : واعلم أن من العرب من يشبه التاء في مسلمات معرفة بتاء التأنيث في طلحة وحمزة ويشبه الألف التي قبلها بالفتحة التي قبل هاء التأنيث فيمنعها حينئذ الصرف فيقول هذه مسلمات مقبلة وعلى هذا بيت امرئ القيس « تنورتها من أذرعات » وقد أنشدوه من أذرعات بالتنوين وقال الأعشى : فخيرها أخو عانات شهرا * ورجى خيرها عاما فعاما وعلى هذا ما حكاه سيبويه من قولهم هذه قرشيات غير منصرفة انتهى . وأنت خبير بأنه يستنبط من قوله « واعلم أن من العرب » أنهم لم يذهبوا إلى شيء من هذا كله بالقياس من غير أن ينقلوه ويسمعوه من الاعراب المحتج بعربيتهم ، وان كان التعليل للوارد والتماس السبب ، وعانات في شعر الأعشى موضع بالجزيرة إليه ينسب نوع من الخمر وفي المحكم لابن سيدة ج 2 ص 59 قال سيبويه وقالوا أذرعات بالصرف وغير الصرف شبهوا التاء بهاء التأنيث ولم يحفلوا بالحاجز لأنه ساكن والساكن ليس بحاجز حصين .